حقيقة انتقال مرض الزهايمر: ما الذي كشفته أكبر دراسة في التاريخ؟
بقلم الدكتور ياسر الدرشابي
هل يمكن أن يصاب شخص بمرض الزهايمر لأن زوجته أو زوجها أصيب به؟ وهل «انتقال مرض الزهايمر» بين الزوجين حقيقة علمية أم عنوان يثير الخوف؟ الإجابة المباشرة: الزهايمر ليس مرضًا معديًا، ولا ينتقل بالمخالطة أو اللمس أو مشاركة المنزل. ومع ذلك، كشفت دراسة واسعة نُشرت في يوليو 2026 عن ارتباط بين إصابة أحد الزوجين بالخرف وارتفاع احتمال إصابة الآخر به لاحقًا. فما الذي وجدته الدراسة فعلًا، وما الذي لا يمكن أن نستنتجه منها؟
هل ينتقل مرض الزهايمر من شخص لآخر؟
لا. لا تنتقل الإصابة بالزهايمر من المريض إلى من يعيش معه أو يعتني به. وعندما يسأل أحدهم «هل الزهايمر معدي؟»، فمن المهم الفصل بين العدوى وبين تشابه الظروف الصحية والحياتية لدى أفراد الأسرة.
وهناك فرق آخر لا يقل أهمية: الدراسة التي سنتناولها بحثت الخرف بمختلف أنواعه، وليس مرض الزهايمر وحده. الزهايمر أحد أسباب الخرف، بينما قد يحدث الخرف لأسباب أخرى. لذلك لا يصح تحويل نتيجة تتعلق بالخرف عمومًا إلى حكم قاطع عن انتقال مرض الزهايمر تحديدًا.
ماذا وجدت دراسة الخرف بين الزوجين؟
حلّل باحثون في تايوان سجلات صحية شملت 955,105 أشخاص متزوجين. امتدت البيانات من عام 1998 إلى عام 2022، وقارن الباحثون بين أشخاص شُخّص أزواجهم بالخرف وأشخاص آخرين لم يُشخّص أزواجهم به، مع مراعاة بعض الفروق مثل العمر والجنس والدخل والمنطقة السكنية.
وجدوا أن احتمال تشخيص الخرف لاحقًا لدى الزوجات اللواتي أُصيب أزواجهن بالخرف كان أعلى بنحو 74%، ولدى الأزواج الذين أُصيبت زوجاتهم به كان أعلى بنحو 69%، مقارنة بالمجموعات التي لم يُصب أزواجها بالخرف.
هذه أرقام تستحق الاهتمام، لكنها لا تعني أن 74 امرأة من كل 100 زوجة، أو 69 رجلًا من كل 100 زوج، سيصابون بالخرف. إنها زيادة نسبية في الخطر مقارنة بأشخاص آخرين. وقدّرت الدراسة الزيادة المطلقة خلال خمس سنوات بنحو 2.75 نقطة مئوية لدى النساء و3.49 نقطة مئوية لدى الرجال. وتختلف دلالة هذه الأرقام بالنسبة إلى كل شخص بحسب عمره وصحته وظروفه.
هل يصاب الزوج بالزهايمر إذا أصيبت زوجته؟
ليس بالضرورة. الدراسة لا تتنبأ بمصير أي زوج أو زوجة، ولا تقول إن رعاية مريض الزهايمر ستؤدي إلى إصابة مقدم الرعاية بالمرض. إنها دراسة رصدية كشفت ارتباطًا إحصائيًا؛ ولم تُثبت أن مرض أحد الزوجين سبب مرض الآخر.
لفهم الفرق بين الارتباط والسببية، تخيّل أن مبيعات المثلجات وحوادث الغرق ترتفعان في الصيف. وجودهما معًا لا يعني أن تناول المثلجات يسبب الغرق؛ فقد ترتبط الظاهرتان بظروف الصيف. وبالمثل، قد توجد عوامل مشتركة أو ظروف أخرى وراء ارتفاع خطر الخرف لدى الزوجين، لكن الدراسة لم تحدد سببًا واحدًا مؤكدًا.
ما التفسيرات المحتملة لارتفاع خطر الخرف لدى الزوج أو الزوجة؟
نمط حياة مشترك لسنوات طويلة
قد يشترك الزوجان في نظام الطعام، ومستوى الحركة، وعادات النوم، وطريقة متابعة ضغط الدم والسكري وغيرها من عوامل الخطر الصحية. وقد يؤثر هذا التشابه في صحتهما على مدى سنوات. لكن الدراسة لم تقِس هذه العادات بالتفصيل، ولذلك لا يمكن الجزم بأنها تفسر الزيادة التي رصدتها.
العبء النفسي والجسدي على مقدم الرعاية
حين يُصاب أحد الزوجين بالخرف، قد يتحمل الآخر معظم مسؤوليات الرعاية. وربما يقل نومه، ويزداد قلقه، وتتراجع علاقاته الاجتماعية، أو يؤجل فحوصاته الطبية لأنه لا يجد وقتًا لنفسه. هذه تفسيرات محتملة تستدعي اهتمامًا بصحة مقدم الرعاية، لكنها لم تُثبت في الدراسة بوصفها سببًا مباشرًا للإصابة بالخرف.
عوامل اجتماعية وصحية لم تُقَس بالكامل
قد يتشابه الزوجان أصلًا في التعليم والظروف الاقتصادية والعادات الصحية. كما أن السجلات الطبية لا تكشف كل تفاصيل الحياة اليومية أو مقدار الدعم الذي يحصل عليه كل مقدم رعاية. ولهذا لم يستطع الباحثون الفصل النهائي بين أثر البيئة المشتركة، وأثر الرعاية، والعوامل الأخرى.
كيف نحمي صحة زوج مريض الزهايمر أو زوجته؟
النتيجة العملية للدراسة هي أن الاهتمام بمريض الزهايمر ينبغي أن يشمل الشخص الذي يعتني به. التعامل مع مريض الزهايمر يوميًا قد يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين؛ لذلك تحتاج الأسرة إلى خطة تحمي صحة الجميع:
تقسيم مسؤوليات الرعاية بين أفراد الأسرة بدل تركها على عاتق الزوج أو الزوجة وحده.
توفير فترات راحة منتظمة لمقدم الرعاية، خاصة إذا كان المريض يحتاج إلى متابعة ليلية.
الحفاظ على النوم والطعام المتوازن والنشاط البدني بقدر الإمكان.
عدم إهمال متابعة ضغط الدم والسكري والكوليسترول والمواعيد الطبية المعتادة.
طلب المساعدة عند استمرار القلق أو الحزن أو الإرهاق، والحفاظ على التواصل مع الأصدقاء والأقارب.
هذه الخطوات مهمة لصحة مقدم الرعاية وجودة حياته. وهي جزء من كيفية التعامل مع مريض الزهايمر أيضًا، لأن الأسرة تحتاج إلى القدرة على تقديم رعاية آمنة ومستقرة على المدى الطويل. ولا تعني هذه النصائح أن اتباعها يضمن الوقاية من الزهايمر، بل تساعد على التعامل مع عوامل خطر يمكن الاهتمام بها.
هل يمكن تعميم نتائج الدراسة على كل الأسر؟
ينبغي قراءة النتيجة في سياقها. أُجريت الدراسة في تايوان، وقد تختلف أنماط الرعاية والظروف الصحية والاجتماعية في بلدان أخرى. كما اعتمد تحديد حالات الخرف على التشخيصات المسجلة في البيانات الصحية، ولم تُقَس جميع تفاصيل النوم والنشاط البدني والتوتر والدعم الأسري.
إذا لاحظ مقدم الرعاية نسيانًا متكررًا أو تغيرًا يؤثر في حياته اليومية، فلا يفترض أن مرض الزهايمر قد «انتقل» إليه. عليه أن يطلب تقييمًا طبيًا؛ لأن مشكلات النوم أو الاكتئاب أو أمراضًا أخرى قد تؤثر أيضًا في التركيز والذاكرة، ويحتاج تحديد السبب إلى فحص مناسب.
إذا، ما حقيقة انتقال مرض الزهايمر؟
مرض الزهايمر ليس معديًا، ولا ينتقل بين الزوجين. أظهرت الدراسة أن تشخيص الخرف لدى أحد الزوجين ارتبط بارتفاع احتمال تشخيصه لدى الآخر، لكنها لم تثبت أن المرض انتقل أو أن تقديم الرعاية هو السبب. الرسالة الأهم للأسر هي الاهتمام بصحة مقدم الرعاية، إلى جانب صحة المريض، وطلب الدعم قبل أن يتحول الإرهاق إلى نمط حياة دائم.






Comments